السيد محمد تقي المدرسي

179

العرفان الإسلامي (بين نظريات البشر وبصائر الوحي)

قالوا : لا شيء موجود في ذاته ولذاته ، وكل ما هو موجود فإنما وجوده بالنسبة إلى الإنسان . وهذا معنى قول بروثاغوراس : الإنسان مقياس كل شيء « 1 » . ومعروف أن السوفسطائيين زعموا أن العالم غير موجود رأساً ، وإنما الموجود هو العلم . وقد حداهم إلى هذا التطرف : أنهم اكتشفوا عجز الفلسفة وعدم قدرتها على كشف خبايا العالم . وكانت الظروف السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي سادت أثينا - موطن هؤلاء الحكماء - تساعد على إشاعة روح الشك بسبب توترها واضطرابها ، مما خلّف أزمة في الفكر ، عبّر عنها السوفسطائيون بوضوح كافٍ . فهم يقولون : إن العالم مشكل ، والطريق إلى فهمه متعسر ، والآراء فيه متضاربة ، والعقول حوله متنازعة ، وليس بعض المذاهب أولى من بعض ، فلابد من بذر بذور الشك فيها جميعاً ، فلا حقيقة إلا الإنسان ، وكل ما عداه فإنما هو باطل وخداع « 2 » . وجاءت مدرسة سقراط لتتحدى السوفسطائيين وتعتقد بصحة وجود العالم ، إلا أن أفلاطون الذي كان يتميز بقدرته الفائقة على استيعاب مختلف الأفكار وتذويبها في بوتقة فكرة ، تأثر إلى حد بعيد بالفلسفة السوفسطائية بالرغم من أنه كان من أعظم المدافعين عن أستاذه سقراط ، فهو لم ينكر وجود العالم بوجه مطلق ، ولا اعتبر الأشياء الطبيعية موجودة وجديرة بالاهتمام مثل أسلافه من الفلاسفة الطبيعيين ، بل قال بأن الأشياء درجة نازلة من الحقيقة ، أما الحقيقة فهي موجودة في عالم المُثُل . والمُثُل أو ( الصور ) حقائق كلية ثابتة موجودة بالفعل وجوداً خارجياً مفارقاً مستقلًا عن الإنسان ، وهي في وقت واحد مصدر للمعرفة وعلة لها ، كما هي

--> ( 1 ) ( ) المصدر ، ص 121 . ( 2 ) ( ) المصدر ، ص 89 .